ابن كثير

106

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فأخبرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ، فقالوا : من جاءك بهذا ؟ قال : جاءني به جبريل من عند اللّه ، فقالوا له : واللّه ما قاله لك إلا عدونا ، فأنزل اللّه قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [ البقرة : 97 ] وقيل : المراد بالروح هاهنا جبريل ، وقال قتادة : وكان ابن عباس يكتمه ، وقيل المراد به هاهنا ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ يقول : الروح ملك . وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن عرس المصري ، حدثنا وهب بن روق بن هبيرة ، حدثنا بشر بن بكر ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا عطاء عن عبد اللّه بن عباس قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن للّه ملكا لو قيل له التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل ، تسبيحه سبحانك حيث كنت » وهذا حديث غريب بل منكر . وقال أبو جعفر بن جرير رحمه اللّه . حدثني علي ، حدثني عبد اللّه ، حدثني أبو مروان يزيد بن سمرة صاحب قيسارية عمن حدثه عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال في قوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قال : هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه ، لكل وجه منها سبعون ألف لسان ، لكل لسان منها سبعون ألف لغة ، يسبح اللّه تعالى بتلك اللغات كلها ، يخلق اللّه من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة ، وهذا أثر غريب عجيب ، واللّه أعلم . وقال السهيلي : روي عن علي أنه قال : هو ملك له مائة ألف رأس ، لكل رأس مائة ألف وجه ، في كل وجه مائة ألف فم ، في كل فم مائة ألف لسان ، يسبح اللّه تعالى بلغات مختلفة . قال السهيلي : وقيل المراد بذلك طائفة من الملائكة على صور بني آدم ، وقيل : طائفة يرون الملائكة ولا تراهم ، فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم . وقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي من شأنه ومما استأثر بعلمه دونكم ، ولهذا قال : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل ، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى ، والمعنى أنه علمكم في علم اللّه قليل ، وهذا الذي تسألون عنه أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه ، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى ، وسيأتي إن شاء اللّه في قصة موسى والخضر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة فنقر في البحر نقرة ، أي شرب منه بمنقاره ، فقال : يا موسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم اللّه إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر ، أو كما قال صلوات اللّه وسلامه عليه ، ولهذا قال تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وقال السهيلي : قال بعض الناس لم يجبهم عما سألوا ، لأنهم سألوا على وجه التعنت ، وقيل : أجابهم . وعول السهيلي على أن المراد بقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي من شرعه ، أي فأدخلوا فيه وقد علمتم ذلك ، لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة ، وإنما ينال من جهة الشرع ، وفي